وهطل المطر الفصل الأول في الشركة احمد سالم رجل أعمال يملك شركة صغيرة فيها عدد محدود من الموظفين وكانت بوصفها الفتاة الوحيدة بين موظفيه وسكرتيرته الشخصية التي يعتمد عليها بكل شيء يتعلق بالعمل لأمانتها واتقانها لعملها وسرعة بديهتها إضافة إلى شخصيتها المحببة والطيبة ولجمالها الشديد فوق كل ذلك. وكانت هي معجبة إعجاباً كبيراً به بأناقته ووسامته وتألقه في العمل وحاولت دوماً أن تجاريه في ذلك وبدون أن تشعر بدات تتعلق به وشيئاً فشيئاً تحول هذا التعلق إلى إعجاب ومن ثم إلى حب ورويدا رويداً صارت تهتم بأن تظهر أمامه بأحلى حلة لديها وتفعل كل ما تشعر أنه يريحه بما يتعلق بالعمل أو الاشياء الشخصية الأخرى التي لا علاقة لها بالعمل . وبينما هي تسرح مع أفكارها جاءها صوته ليوقظها من حلم ويأخذها إلى آخر: المدير : صباح الخيرآنسة هديل السكرتيرة :صباح النور ، نعم أستاذ المدير : هل تتكرمي بإحضار البريد لو سمحت. السكرتيرة : ثواني استاذ أنا قادمة. بسرعة عدلت من زينتها وتعطرت مرة أخرى بالعطر الذي اكتشفت أنه يحبه وتنحنحت لتنظف حنجرتها مما أحست أنه يعيق الكلام لديها واتجهت بخطوات رشيقة إلى مكتبه مصطحبة أوراق البريد معها ، حسب طلبه . كانت كلما اقتربت منه شعرت بشئ ما يدفعها لمعانقته والاقتراب أكثر وكان المكان في كل لحظة يتحول برأسها الصغير إلى كوخ لعاشقين أكثر منه مكتب مديرها لكن الخجل والتردد كانا يمنعانها من البوح بما تشعر به تجاه هذا الرجل القريب إلى قلبها اكثر من أي شئ آخر. ________
الفصل الثاني في منزلها في المساء استلقت على سريرها ولم تكن متعبة بل كانت حالة من الخدر والتعب الحلو والمذاق الطيب لاحلام اليقظة التي تعيشها طوال اليوم ، كانت أصبعها تلعب بغرتها كالعادة عندما تبدا بأحلامها البريئة وعيناها معلقتان في سقف غرفتها الذي صارت تحس به فضاء وعصافير وغيوم بيضاء ! فجأة رن الهاتف . قامت لترد على الهاتف متثاقلة فلم تكن تعلم من قطع عليها حلمها وردها إلى سقف الاسمنت والجدران الأربعة . هديل : الو ، من المتكلم ؟ احمد : مرحبا هديل أنا احمد ( توقف قلبها للوهلة الأولى وازداد نبضها واعتراها رجف شديد وارتباك ولم تعرف ماذا تقول ، لقد هرب منها الكلام فجاة ) احمد : الو هديل مابك ؟ تكلمي هديل بصوت مرتجف : أهلا وسهلا نعم أستاذ ! احمد : ههههههه هديل ما بك أنا استاذ بالعمل أما هنا فأحمد فقط لا أكثر هديل : لا أستاذي هذا احترام لك احمد : هههه لا لا هديل انا اسمي أحمد وأنا الان أخاطبك باسمك هديل فهل هذا يعني انني اقلل من احترامك ، نادني أحمد وبس. أخذهما الحديث لساعة متأخرة من الليل وتبادلا الأحاديث السرية وتجاوزا الكثير من حدود علاقة العمل بين مدير وموظفة لديه وفي النهاية اتفقا على ان يخرجا في يوم غد إلى مطعم قريب فيه جلسة رومانسية ويتعشيا سوية وكان هذا أكثر مما حلمت به يوماً من بداية إعجابها به وكذلك كان . هديل : حسنا تصبح على خير احمد : تصبحين على خير قفزت إلى سريرها مثل طفلة وعادت إلى فضائها من جديد وحلقت مع العصافير والغيوم وبسرعة راحت في سبات عميق والبسمة البريئة مرتسمة على وجهها الصغير. استيقظت باكرا وكعادتها تبدا النهار مع فيروز ولكن على غير العادة كانت أغنية فيروز " حبيتك والشوق انقال" تدخل إلى قلبها بطريقة مختلفة عن السابق وكانها تسمعها للمرة الأولى وأخذت تدندن معها وهي ترتشف فنجان قهوتها برشفات متتالية وبهدوء وكان للقهوة طعم آخر وللصباح طعم آخر وكل شيء بدا لها جميلاً ومختلفاً وبدون أن تشعر كانت مكالمة الأمس تمر في ذاكرتها كشريط من الصور الجميلة والتي تملؤها حيوية لا تعرف من أين تاتي اليها. أزف الموعد ، وكانت تنتظر بأبهى حلة فقد اشترت فستانا جميلا لهذه المناسبة بلون أزرق فاتح ووشاح من نفس اللون وتقلدت قلادتها التي تحبها وكان مكياجها البسيط يضفي على وجهها البرئ كثيرا من ملامح الطفولة فقليل من الكحلة على العينين الواسعتين بلونهما الاسود وشعرها المنسدل مثل ليل على كتفيها وقليل جدا من أحمر الشفاه الذي يزين شفتيها اللتين تشبهان الكرز إلى حد بعيد ، وبقامة رشيقة كانت تنتظر في الحديقة الخلفية وكانت تشبه سندريلا إلى حد بعيد . وها هو صوت بوق سيارته يجعلها تطير إليه وينطلقان إلى موعدهما والذي كان الموعد الاول بالنسبة لها . احمد : ما رأيك بهذه الأغنية ؟ هديل : أغنية رائعة فعلاً احمد : شكرا جزيلا لك وأخذهما حديث حميم ولطيف ولم ينغص عليها إلا هذه الاغنية التي لم تسمعها من قبل وتمنت لو تعطلت المسجلة لترتاح منها لكن خجلها منعها من ذلك.
الفصل الثالث في المطعم أخذ أحد موظفي الاستقبال بالمطعم مفاتيح السيارة ليركنها في المواقف المخصصة ، أما أحمد فقط تابط يدها ودخلا إلى المطعم مثل عروسين حقيقيين ، وامتد الحديث في هذا الجو الروتمنسي فالإضاءة الخافتة والهدوء وصوت البيانو كل هذه الاشياء جعلاها تعيش وكأنها في حلم جميل لا تريده أن ينتهي . كان يتحدث ويتحدث وهي تنصت إليه بإمعان شديد وأحيانا كانت تسرح إلى ربطة عنقه وتتنمنى لو تمد يدها لتعدلها حسب ما تحب تنعطف بعينيها إلى تسريحة شعره التي تعشقها كانت تتامل وسامته وحيويته ولا تصدق أنها معه ولوحدهما في هذا المكان. لم تتحدث كثيرا ولكنها استمتعت لآخر ثانية وكان لقاء كما في الاحلام. وهاهي تستعيد كالعادة كلماته لها " حبيبتي ماذا تشربين" !!! وتشم رائحة عطره وصوت نبضات قلبه وهو يحضنها اثناء الرقص وكيف شعرت أنها تتكئ على ملاذها وأمانها عندما احست بصدره ولامس خدها كتفه كانت حرة بالمعنى الكامل للكلمة. وكالعادة غدرها النوم والابتسامة على وجهها الصغير. وفي الصباح .... هديل : صباح الخير أستاذ احمد: صباح الخير احضري البريد وتعالي أخذت هديل ملف البريد ودخلت عليه ليستقبلها مبتسما احمد: هل استمعت بالسهرة ليلة البارحة هديل : نعم كثيرا لا اعرف كيف أشكرك احمد مبتسما ابتسامة خبيثة : لا داعي للشكر وستكون لنا سهرة ولكن في بيتي مع أصدقائي هديل باستغراب : ماذا أصدقاءك ؟!! احمد : مابك ؟ لم أنت مندهشة ؟ نعم أصدقائي لا تخافي أصدقائي شباب وبنات !! عادت إلى البيت قبل نهاية الدوام وكان شيئا علق في حنجرتها منعها من البكاء أو القيام باي شئ غيره وأخذها كابوس هذه المرة وليس حلم جميل . أدركت بإحساسها البرئ أن أحمد غير الشخص الذي احبته وأنه لربما يفكر في استغلالها لأغراض أخرى بعيدة كل البعد عن الحب الذي ظنته يبادلها إياه!
الفصل الرابع حاول كثيرا أن يثنيها عن قرارها بعدم الذهاب إلى بيته ومرة اقنعها بان لديه عشاء عمل مع ناس مهمين وهو بحاجة لها للعمل لا اكثر وأن عليها أن تعتبر هذه الدعوة بمثابة عشاء عمل فاضطرت على الموافقة مع أن شيئاً ما في داخلها كان يخبرها عكس ذلك ولكن قررت الذهاب وتم الأمر. احمد : أهلا وسهلا يا حلوتي تفضلي هديل : شكرا دخلت ووقفت لترى شلة من الشباب والصبايا ولا شئ يدل على عشاء العمل الذي تحدث عنه إلا الملفات التي أحضرتهم معها لتبدو غريبة تماما عن المكان فالهرج والمرج والضحكات التي ترن في كل مكان والخالية من الحياء ، الاحاديث التي لا معنى لها والتي لا تحمل سوى التفاهة وكيف أن كلب سوزي له شعر أحلى من كلب جوجو وان سيارة سعيد بمائتي ألف دولار .......الخ وأحاديث سوقية أخرى لم تفهمها ولم تكن تريد أن تسمعها اصلاً !!! وقفت مترددة تنظر إليهم باستهجان وذهول وخوف ، حينما جاء وقال سكوووووت !! هذه سكرتيرتي هدولة احلى الصبايا والتفوا حولها يرحبون بها على طريقتهم بأن يشربوا نخبها أو يضيفوها سيجارة أو يطلبوا أن ينفردوا بها اما هي ومن هول الصدمة لم تنبس ببنت شفة إلا أن قالت : أستاذ أحمد هذه ملفاتك ولن أكون موظفة عندك بعد الآن !! ورمت المفات على الأرض أمام قدميه !! ولهول مفاجاتها ظهرت إحداهن وطوقته بذراعيها عند خصره وقالت له حبيبي أهذه من حدثتني عنها ههههههههه تعال تعال لا أحد يعرف قيمتك غيري ليس لها بالطيب نصيب هههههههههه وفجأة لا تعرف من أين انتشلتها يد من هذه الشباك التي للحظة ظنت أنها واقعة فيها لا محالة ! كان وجهه مألوفاً وكانها تعرفه منذ زمن ، ولم تبد أي مقاومة بل انقادت معه وسارا باتجاه الباب وعيون الحاضرين تلاحقهما وسمعت أصوات تقول ألتم المتعوس على خائب الرجا ههههههههه وطنجرة ولاقت غطاها .....وكثير من الكلمات التي لهول صدمتها لن تعد تسمع شيئاً سوى ضجيج في أذنيها وشعرت بالقرف من الجميع من هؤلاء الفتيات اللاتي لا يشبهن لنساء الا بأجسادهن وصدورهن الشبه عارية ولباسهن الغير محتشم والشباب الذين تفوح منهم رائحة المشروب الكحولي والشهوة الحيوانية البعيدة كل البعد عن الإنسانية !! ورنت في اذنها انت لا تنتمي إلى هذا المكان فغادري ! تلعثمت وقالت له من أنت ولماذا تهتم لأمري وكيف أنت معهم وتطلب مني الرحيل ؟؟؟ ضحك ضحكة خفيفة وقال لها أنا سعد ألم تذكريني ؟؟؟ هديل :لا سعد : هل يعني لك اسم ابوغرة شيئاً ما ؟؟؟ هديل : أنت ذاك الفتى الذي كنا نشاكسه في المدرسة ونناديه ابوغرة ؟؟ سعد : هو بحد ذاته ولكنني قصصت الغرة منذ زمن! هديل : وكيف جئت إلى هنا ؟ سعد : عدت للتو من فرنسا وقد اصبحت موظفاً في احد البنوك التي تتعامل معها شركتكم وقد دعاني أحمد لبيته على أساس ان نتعرف أكثر ولكن كما ترين لم يعجبني هذا الجو ولحظة دخلت عرفتك وكنت أنتظر ردة فعلك وأنا مسرور للغاية برؤيتك مجدداً هديل : شكرا ، ولكنني أريد الذهاب الآن سعد: هل من الممكن أن أراك ثانية أو تعطيني رقم هاتفك على الاقل لأطمئن عليك؟؟ لم تعرف لماذا قبلت إعطائه رقمها ولكنها أعطته رقم الهاتف فعلا وبينها وبين ننفسها قررت أن لا تجيب وان الرجال كلهم متماثلون ولا فرق بينهم ومع ذلك شعرت بشئ ما في سعد مختلف عنهم كلهم.بدون أن تعلم سببا واحدا مقنعا لذلك.
الفصل الخامس
ما هي إلا أيام قليلة وإذا بجرس الهاتف يرن : هديل : نعم من المتكلم ؟ سعد : أنا سعد هل تذكرتني ؟ هديل : نعم ، تذكرتك سعد : اتصلت لأطمئن عليك هديل : شكرا هذا من لطفك صمتا قليلا سعد : بصراحة أنا معجب بك هديل وقد احمر وجهها : ماذا أنا ؟! سعد : اجل منذ أن رايتك في بيت احمد وأنا أفكر بك صمتت قليلا وشعرت هديل بارتياح وهي تتكلم مع سعد على الهاتف وأحست بأنه صادق ونواياه حسنة ومع ذلك فلم تطلق العنان لأحلامها لأن الدرس الأخير كان قاسياً جدا !! هديل : شكرا للطفك تحدثا حديثاً مقتضباً جدا وشكرته للطفه ولم تعطه المجال للحديث أكثر مع ان في داخلها شئ ما يحثها على إعطائه فرصة ليقول ما يريد عادت إلى كرسيها وارتمت عليه بتثاقل وسرحت في البعيد مع أفكارها فعليها أولا أن تجد عملا جديداً وبعدها لكل حادث حديث. ورن الهاتف مرة أخرى وبدون أن تشعر تمنت أن يكون سعد من جديد؟؟؟ هديل: الو نعم من المتحدث ؟ سعد : انا سعد هديل : أخ سعد ماذا تريد مني أرجوك لا تتصل ثانية لو سمحت! سعد : لحظة يا هديل لا تغلقي الهاتف اسمعيني وان لم يعجبك كلامي اغلقي الهاتف هديل : حسنا تفضل سعد : أنا قصدي شريف وقد أعجبتني جدا وأريد أن تكوني نصفي الثاني وشريكة حياتي ما رايك؟ هديل : هل تقصد انك تريد أن تتزوجني !! سعد : نعم وعلى سنة الله ورسوله ، ما قولك اعطي لنفسك الوقت الذي تشائين وأنا بانتظارردك !! وبعد حوالي اسبوعين كانت قد حسمت أمرها وسألت بعضاً من أصدقائها عنه وعرفت أنه يتمتع بأخلاق ممتازة وسمعة طيبة فقررت المضي في الأمر للآخر. وها هو يتصل مرة أخرى -: سعد : مرحبا هديل ، هل فكرت بموضوعنا ؟؟ هديل : هذا عنوان أخي في المدينة المجاورة اذهب اليه وانا موافقة إن شاء الله. قابل سعد جمال أخو هديل وتم الامر خلال شهر واتفق الطرفان على أن تكون الخطبة والزفاف في يوم واحد و تم الأمر.
الفصل السادس
وها هما الآن يودعان الأهل والأصدقاء بعد حفلة لا أروع وكانت تشعر أن في عينيه حباً عظيماً لها وأنها وجدت الشخص الذي تتمنى أن تقضي معه كل فصول العمر وإلى نهايته وهو بدوره كان يدرك أن لديه جوهرة لا أغلى ولا أحلى وكان يعرف قيمتها ويحاول أن يحافظ عليها بحبه وحنانه إلى آخر العمر . وهاهما تحت سقف واحد تكاد خدودها تتفجر من الاحمرار وراسها مطرق حياءً وكانت تبدو مثل نجمة متلألئة بثوبها الأبيض وعيناها الواسعتان اللتان تشعان حيوية وتبرقان حباً وارتياح. اقترب منها ورفع رأسها براحتيه وقال لها لا تطرقي حبيبتي فأنت كل دنياي وكل حياتي وحلمي الذي تحقق وإن شاء الله أقدر أن اكون مصدر سعادة دائمة لك أحبك وطوقها بحنان لم تشعر به من قبل ولم تمر بهذه الأحاسيس التي غمرتها وبصوت خافت همست له أحبك . والتقت الشفاه بقبلة فيها من الحب أكثر من أي شهوة وفيها من العاطفة أكثر من أي رغبة كانا عاشقين حقيقيين يحلقان في فضاء من غيوم بيضاء وعصافير تغرد بصوت من فرح والفراشات تطير من كل صوب محتفلة بهما ! وهاج البحر وارتفع الموج بين مد وجزرو جزر ومد وهطل المطر !!