مذكراتي
1- خريف 1976 أبصرت النور طفلة جميلة ملأ بكاءها غرفة الولادة من بعد ظلمة شديدة إلى عالم غريب لم تعرف خيره من شره فأخذوها لوالدتها التي ما أن التصق جسدها بجسد الطفلة هدأت وأحست بشيء غريب يتسلل إليها فأحست بأمان وطمأنينة بين يديها وبدأت علاقاتها مع أمها وشعرت بان الجميع يحبها فقد كانت ترضع الحب والحنان من ثدي وتنام على صوت حنون يغني لها كي تنام ما أن تفتقد ذلك الصوت حتى تبدأ بالبكاء كي تسمعه مرة أخرى ومع مرور الأيام بدأت تفهم الجو المحيط حولها وميزت رائحة والدتها الحنونة وبدأت تميز الأشياء وتلمسها وتضعها في فمها وتعرف الأصوات أن كانت جميلة أو مزعجة وتضحك مع من يلاعبها ويدللها تعلمت الشقاوة عندما كانت تحبون فكل ما تراه على الأرض تضعه في فمها ولا ترضى بان يؤخذ منها وهكذا مع مرور الأيام
2- 1977- 1979 و كما كل الأطفال أول كلمة ( ماما) قالتها لتفرح قلب الأم العطوف بسماعها ، وبعد أيام قالت (بابا) فرقص لها الأب الحنون طرباً .
بدأت تتعرف على من حولها ، إخوتها وأهلها وميزت الأشياء الخطرة التي لطالما نهتها أمها عنها وعرفت الطعم (الحلو – ضحكة- والحامض – غمزه وحركة لا إرادية بالأنف الصغير والحار دموع وبكاء ) .
كانت طفلة كثيرة الحركة كما يقولون بالعامية (شقية) ولم تتوقف عن اللعب إلا لما تغمض عينيها وتخلد للنوم .
في أحد الأيام ولكثرة حركتها وبينما كانت تلعب اقتربت من حديده كبيرة موجودة بسطح منزلهم وتعلقت بها كالأرجوحة وسقطت على انفها ونزفت كثيرا وسارعوا والديها بها إلى المستشفى وتم علاجها وأصبحت تخاف الاقتراب من تلك الحديدة وعندها عرفت ( الأشياء المؤذية أيضاً ) وعرفت شئ اسمه الألم ..........وعرفت كم تعني لوالديها .
3- 1980-1981 بدأت تتعرف على محيطها الخارجي الحارة وأولاد وبنات الجيران وانسجمت معهم بسرعة غريبة وأصبحوا كلهم أصدقاء مقربين لها تزورهم ويزورونها ويلعبون معاً يضربونها وتضربهم كانوا أطفالاً لا يعرفون للعداوة معنى فبعد أي معركة مهما حمي وطيسها لا تكاد تمضي دقائق قليلة حتى يعاودون اللعب من جديد كأن شيئاً لم يكن ثم يشتبكون ويتصالحون وهلم جرا !
كانوا أطفالا بعيون صغيرة تشع البراءة منها ، فضولية تحاول أن تتعلم الجديد في كل لحظة لا تفوتها فائتة ولا تفصيل مهما كان صغيراً ، يتصرفون على سجيتهم الصادقة الشفافة التي لا تعرف معنى الكذب ولا النوايا السيئة .
يعيشون عمرهم كما يريدون لا ينتظرون من الغد سوى يوم جديد من الألعاب وكانوا من حيث لا يعلمون مرتبطون ببعض بمشاعر طفولية ستكبر مع أحلامهم ليكونوا في المستقبل أفضل الأصدقاء لها ، وهاهم يلتفون حولها بحب وهي كعادتها ترتسم الضحكة البريئة على وجهها الصغير و دوماً مشرقة متفائلة بغد حلو ومستقبل أحلى .
4- مرحلة الدراسة
- المرحلة الابتدائية العمر ستة أعوام
كان اليوم الأول لها في المدرسة ملئ بسعادة لا توصف ولم تكن من تلك الفتيات اللاتي يبكين في اليوم الأول لهن كما جرت العادة ، فقد أدهشها الزى المدرسي وكانت فرحتها غامرة به وذهبت إلى المدرسة بكل فرح ونشاط .
رن الجرس واجتمعت الطالبات والمدرسات في الباحة وحضرت المديرة وألقت كلمة وهنأت الطالبات بالعام الدراسي وبعدها نادت كل مدرسة طالباتها وأخذتهن للفصول وبدأ يوم دراسي ممتع وحافل بالفرح والسرور وهكذا الحال كل يوم فقد كانت ذكية سريعة الاستيعاب إلا أنها وفي نهاية العام لم تنجح !!!
وفي العام الذي تلاه كانت تعيد السنة وبنفس الحماس وبعزيمة أقوى كانت وبقلبها الطفل لا تعرف شيئاً اسمه اليأس السن وكانت أكثر نشاطاً واجتهاداً .
بدأت معاناتها تصبح من ونوع آخر نوع مختلف ولم تكن تفهم وقتها سبب هذا الألم الرهيب في ساقيها وعدم قدرة هاتين الساقيتين على المضي في حمل جسدها الطفل النشيط والحيوي فبدأت حركتها تثقل شيئا فشيئا حتى صعب المشي عليها وأخذها والديها إلى طبيب مختص للطبيب وعاينها وقرر أنها تعاني من ضمور في عضلات الساقين ويجب إجراء عملية لهذا السبب تم الأمر وأجريت العملية لها ولكن كانت النتيجة سلبية ولم تتقدم قيد أنملة ، والغريب أنها لم تفقد حيويتها بالرغم من أن هذه الإعاقة أشعرتها أنها مختلفة قليلاً عن الآخرين لكنها كانت محافظة على درسها ونشاطها وتفاؤلها !!
أنهت المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية ولم تكن يوماً تقبل بأن تؤثر إعاقتها على دراستها وطبيعتها المشرقة دوماً وفي منتصف المرحلة الثانوية كانت الإعاقة قد تمكنت منها تماماً وتغلبت على جسدها المنهك وأقعدتها رهينة الكرسي المتحرك ، لكن هذا لم يقهر إرادتها للحياة فأكملت الثانوية بنجاح ولم تتمكن من الخروج إلى الجامعة حيث أنها لم تتمكن من تحصيل المجموع المطلوب !!
ربما بسبب الفراغ ربما بسبب شئ آخر لا تعرفه لكنها أخذت تتجه رويداً رويداً نحو الرسم لكن ذلك لم يشبع ما تفتقد إليه في قرارة نفسها وأخذت تتجه نحو منحى شقيق للرسم عموماً لكنها شعرت بأنها حرة فيه أكثر وبدأت تكتب خواطر وقصائد وما يجول في ذهنها الصغير الغني بالتفاؤل وانطلقت على خيول من حلم ساعية أن تجد نفسها بين رائحة الحبر والسطور التي كثيرا ما أغرقتها دموعها !
بقيت فترة متوقفة عن الكتابة لأنه أحست أنها تعيد نفسها وتكرر أفكارها فتوقفت لتعيد شحن ذاكرتها ولتغنيها بالجيد من القراءات وبقيت على هذه الحال لمدة عام كامل !!
وفي هذه الفترة قررت أن تكون من هذا العصر وتعرف ما يعرفه غيرها فدخلت في دورة للحاسب الآلي لمدة سبعة شهور ومنه دخلت العالم من باب مختلف وأرض فضاء يمكنها وهي على كرسيها المتحرك أن تقفز وتلعب وتضحك وحتى تطير من مكان إلى آخر بكبسة زر !!
إنه عالم الانترنت الذي يملأ عالمها الصغير ويوسعه ليصبح لها أصدقاء وإخوة تختلف معهم وتتصالح وتعيش كأنها في أسرة واحد مع العشرات من الأصدقاء والصديقات اللاتي ملأن عالمها وملأت عالمهم بالكثير من الود والشكوى والصراحة والزعل فعلاً لقد أينعت روحها من جديد وها هي ذي تعود للكتابة بحب وفرح وأمل كبير بالقادم وها هي ذي تشعر نفسها ترتدي الزى المدرسي كأول يوم وتتجه في كل مرة إلى المدرسة بقلب صغير أخضر وعينان تلتهمان المعرفة بنشاط وها هي ذي المعلمة توزعهم على الصفوف ليبدأ نهار جديد بفرح وسعادة وما زالت تنتظر دورها لتدخل إلى صفها تماماً مثل تلك الأيام ضفيرتين وحقيبة صغيرة كاس للماء و تفاحتها ولفافتها اللي أعدتها أمها لها بحب الأمهات.
عفوا دخلت المعلمة وبدأ الدرس الأول .
وكلي ثقة أنها لن تخيب ظنكم بإذن الله . |